الجاحظ
196
الحيوان
لحريص على الحياة ! ولو كان حين قال إني يوم أقتل جوّابا إنما عنى النهار دون اللّيل ، كان عند نفسه إذا قتله تلك القتلة ليلا لم يأثم به . وهذا أيضا كقوله تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ 1 ] . ولو كان هذا المعنى إنما يقع على ظاهر اللفظ دون المستعمل بين الناس ، لكان إذا قال من أوّل الليل : إني فاعل ذلك غدا في السّحر ، أو مع الفجر أو قال الغداة : إني فاعل يومي كلّه ، وليلتي كلها ، لم يكن عليه حنث ، ولم يكن مخالفا إذا لم يستثن ، وكان إذن لا يكون مخالفا إلّا فيما وقع عليه اسم غد . فأمّا كلّ ما خالف ذلك في اللّفظ فلا . وليس التّأويل كذلك لأنّه جلّ وعلا إنما ألزم عبده أن يقول : إن شاء اللّه ، ليتّقى عادة التألّي [ 2 ] ولئلا يكون كلامه ولفظه يشبه لفظ المستبدّ والمستغني ، وعلى أن يكون عند ذلك ذاكر اللّه ، لأنه عبد مدبّر ، ومقلّب ميسر ، ومصرّف مسخّر . وإذا كان المعنى فيه ، والغاية التي جرى إليها اللفظ ، إنما هو على ما وصفنا ، فليس بين أن يقول أفعل ذلك بعد طرفة ، وبين أن يقول أفعل ذلك بعد سنة فرق . وأمّا قوله : فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ فليس أنّه كان هنالك ناس قتلوا إخوتهم وندموا فصار هذا القاتل واحدا منهم ؛ وإنما ذلك على قوله لآدم وحوّاء عليهما السلام : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ * [ 3 ] ، على معنى أن كلّ من صنع صنيعكما فهو ظالم . 838 - [ الاستثناء في القسم ] وعجبت من ناس ينكرون قولنا في الاستثناء ، وقد سمعوا اللّه عزّ وجلّ يقول : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ . وَلا يَسْتَثْنُونَ . فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [ 4 ] ، مع قوله عزّ وجلّ : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ 5 ] . 839 - [ تسمية الغراب ابن دأية ] والعرب تسمّي الغراب ابن دأية ، لأنّه إذا وجد دبرة [ 6 ] في ظهر البعير ، أو في عنقه
--> [ 1 ] 23 / الكهف : 18 . [ 2 ] الإلّ : الحلف « القاموس : ألل » . [ 3 ] 35 / البقرة : 2 . [ 4 ] 17 - 20 / القلم : 68 . [ 5 ] 23 / الكهف : 18 . [ 6 ] الدبرة : القرحة . « القاموس : دبر » .